كيف تهدد الشائعات المجتمعات المعاصرة؟
“الجمهور”.. كلمة السر في مواجهة التزييف والتضليل
تهدد الشائعات المجتمعات، وتستهدف ثوابتها واستقرارها عبر تشويه صورة مؤسسات الدولة ورموز المجتمع، وإثارة الفتنة والبلبلة بين الناس. والشائعات لا تقتصر في مفهومها على الأكاذيب، بل تشمل الأخبار المزيفة والأخبار المضللة معًا، فالأولى تعني أن الخبر لا أساس له من الصحة، وجميع المعلومات الواردة فيه كذب، أي أن نسبة الكذب فيه (100%)، أما الأخبار المضللة تعني تضمين الخبر جزءًا من الحقيقة، وباقي المعلومات خطأ (مثلًا: 50% كذب+ 50% صدق)، وإذا ما قارنا بينهما فإن لكليهما أهدافًا خبيثة تستهدف عقل المواطن مباشرة، فتصيبه بالتزييف والتضليل والتشويش وعدم الفهم لمجريات الأمور، بل وإشعاره بالقلق وإصابته بالإحباط، إلا أن الأخبار المضللة أكثر وأشد خطورة لأنها تنشر الكذب مدسوسًا وسط الحقيقة على طريقة “دس السم في العسل”
إن ترويج الشائعات في المجتمع يتم عبر مصادر عديدة منها: ” وسائل الإعلام” لعدم تحليها بالمسؤولية الاجتماعية ما يدفعها لنشر وتداول الأخبار دون التحقق من صحتها، وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت فضاءً واسعًا لتبادل المعلومات الخطأ والمضللة من قبل بعض مستخدميها، ما يعني أن الجمهور ذاته هو أحد مصادر الشائعات لعدم وعيه الكافي بمخاطر الشائعات وآليات التحقق من المعلومات، فنجد بعض المستخدمين قد ينشرون معلومة دون التثبت من صحتها، أو يتفاعلون مع محتوى مضلل ومزيف دون القدرة على اكتشاف مساحات التضليل والتزييف الموجودة فيه، كذلك قد يتم ترويج الشائعات من قبل جماعات مشبوهة مدفوعة بأهداف خبيثة تستهدف النيل من المجتمع، ومهاجمة ثوابته بشكل مباشر
وحينما يتم ترويج الشائعات في مجتمع ما، فهناك مجموعة من الأسباب تدفع الرأي العام لتصديقها والتجاوب معها، ومنها: تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة بمجتمع ما، وضعف مستويات الوعي والثقافة لدى بعض أفراده، وانتشار اليأس والإحباط والقلق بين صفوف المجتمع
وإذا كانت الشائعات بمثابة “الفيروس” الذي ينهش في أجساد المجتمعات، ويعبث بتماسكها واستقرارها، فإن العلاج الفعال لمقاومة هذا الفيروس هو “المعلومة الدقيقة” التي من شأنها دحض الشائعات، فغياب المعلومات تربة خصبة لنمو الشائعات، والعكس صحيح إذا توافرت المعلومات اختفت الشائعات، وما يدلل على ذلك، هناك ما يعرف بـ “موسم الشائعات” أي الفترات الزمنية التي يكثر فيها انتشار الشائعات، كالأزمات والحوادث والكوارث والانتخابات، لما يصاحبها من كثرة الأقاويل وتناقل الأنباء دون التحقق من صحتها، مع غياب للمعلومات. وهنا إذا ما بادر المتحدث الرسمي للجهة المستهدفة بالشائعات بمخاطبة ومصارحة ومكاشفة الرأي العام، نجح سريعًا في مواجهة الشائعات، وإذا ما تأخر في كشف المعلومات تنتشر الأكاذيب بشكل سريع
وتأسيسًا على ما سبق، فإذا كانت مسؤولية مواجهة الشائعات في المجتمع تقتضي التزام الإعلام بمسؤوليته الاجتماعية تجاه المجتمع، وتوعية أفراده بمخاطرها، وكذلك سن التشريعات والقوانين التي تجرم نشر وتداول الأخبار الكاذبة مثلما فعلت كثير من دول العالم والمنطقة العربية، إلا أن “الجمهور” يعد كلمة السر الرئيسة في معركة مواجهة الشائعات، باعتباره المتلقي الرئيس للمعلومات المزيفة والمضللة المتداولة عبر وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وكذلك باعتباره أحد المروجين لهذه المعلومات سواء بالنقل الشفهي من خلال الأحاديث المباشرة، أو بالنشر الجماهيري عبر تداول هذه المعلومات على حساباته بمنصات التواصل الاجتماعي، ما يستدعي تعليم المواطن مهارات “التربية الإعلامية الرقمية ” التي تخلق منه مواطنًا واعيًا لا ينشر معلومة دون التحقق منها، ولا يتفاعل مع فيديو مثير للجدل رائج عبر منصات التواصل الاجتماعي إلا بعد التحقق منه، ولا يشارك معلومة أو منشورًا إلا إذا اطمأن لصحته ودقته. والأمر كذلك بالنسبة للإعلاميين الذين أشارت دراسات عديدة إلى أهمية زيادة وعيهم بمبادئ التربية الإعلامية الرقمية، التي تعكس في جوهرها التزامهم الشديد بميثاق الشرف الإعلامي الذي يجعل من الجمهور حصنًا منيعًا لا يصح اختراقه بالتزييف والتضليل والتهويل والتهوين وغيرها من الآليات التي لا تستهدف سوى تغييب العقل


