خارطة تَشكُّل
المعاني في الاتصال بالجماهير

الاتصال عملية بين طرفين، أحدهما مرسل لديه رسالة يريد نقلها إلى الطرف الثاني المتلقي أو الجمهور عبر وسيلة معينة، لينتج عنه ردة فعل تعكس مدى فهم الجمهور واستيعابه للرسالة. وبالتالي، فإن عملية الاتصال تتألف، في أبسط صورة لها، من خمسة عناصر رئيسية، هي: المرسل، الرسالة، الوسيلة، المتلقي، رجع الصدى (ردة الفعل)
 
والاتصال كعملية يستهدف نقل معلومة إلى الجمهور، أو التأثير فيه لتبني موقف أو سلوك بعينه، وهذا لا يتحقق إلا إذا اكتمل فهم المتلقي للرسالة، واقتنع بما جاء فيها، فتتشكل المعاني في ذهن المتلقي، وحينها يبدأ في التفاعل مع الرسالة، وتحقيق الأهداف المنشودة منها
 
وإذا كان تشكل المعاني هدفًا رئيسًا لعملية الاتصال الجماهيري، فإن تحقيقه يتوقف على عدة عوامل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعناصر عملية الاتصال السالف ذكرها، فالمرسل يجب أن يكون واعيًا بموضوعه، محددًا لأهدافه التي يريد تحقيقها من عملية الاتصال الجماهيري، قادرًا على إقناع المتلقي، خاصة أن الجهد الإقناعي لعملية الاتصال جهد شاق بسبب العقبات التي تواجهه، مثل: عدم اكتراث المتلقي أحيانًا، عدم التوافق الجيد بين طرفي الاتصال، إضافة لسوء استخدام وتوظيف الاستمالات الإقناعية التي تتفرع بين استمالات عاطفية تخاطب وجدان المتلقي، وأخرى عقلانية تستهدف العقل والمنطق، فاختيار القائم بالاتصال أو المرسل للاستمالة المناسبة يعد أمرًا فعالًا في تقبل المتلقي للرسالة، وإقناعه بها. ولا مانع من استخدام الاستمالات العاطفية والعقلانية معًا، فالمهم أن يعرف المرسل كيفية توظيفهما بشكل جيد. فمثلاً، إذا ما كان القائم بالاتصال يريد إقناع المتلقي بتبني إجراءات احترازية بعينها لمواجهة فيروس انتشر في مجتمع ما، هنا يتم استخدام الاستمالة العاطفية بتخويف المتلقي، وحثه على أن عدم اتباع مثل هذه الإجراءات قد يؤدي لوفاته، إضافة لاستخدام الاستمالة العقلانية التي تبرز أرقام الإصابات والوفيات بسبب عدم الالتزام بمثل هذه الإجراءات
 
أيضًا، يرتبط تشكل المعاني في ذهن المتلقي، بوضوح الرسالة لديه. ويتحقق ذلك عبر صياغتها بلغة سهلة وبسيطة، خالية من الغموض والتعقيد، وأن تمس الرسالة احتياجات الجمهور وتفضيلاته، فيتفاعل معها، بالإضافة إلى اختيار الوسيلة المناسبة لنقل الرسالة، ويتم تحديدها في ضوء عدة عوامل مثل: التكلفة المادية للوسيلة، مدى تفضيل الجمهور لها، بالإضافة إلى خصائصها الفنية والاتصالية. فمثلاً: قد يختار المرسل وسائل التواصل الاجتماعي عن وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والقنوات في نقل رسالة إلى الجمهور باعتبارها أكثر شيوعًا واستخدامًا في المجتمع، وقد يختار منصات مثل الانستجرام والتيك توك وسناب شات عن منصة “إكس” لأن رسالته تستهدف جمهور الشباب والمراهقين
 
ولا يقتصر تشكل المعاني عبر الاتصال الجماهيري فقط على نقل المعلومات والأفكار إلى المتلقي، بل يشمل نقل المشاعر والأحاسيس التي تجعل المتلقي يشعر بقيمة الرسالة وأهميتها ويتفاعل معها. لذا بدون اتصال جيد وفعال لا تكون هناك علاقات إنسانية بناءة. وفي كل الأحوال، يجب أن يعي المرسل أهمية رجع الصدى الذي يصدره الجمهور (ردة الفعل) لأنه يعد مؤشرًا كاشفًا للقائم بالاتصال عن فهم المتلقي لرسالته وتفاعله معه، ولا مانع من أن يعدل المرسل رسالته في ضوء ردة فعل المتلقي حتى يتحقق لها التأثير المنشود
 
وأخيرًا، فإن خارطة تشكل المعاني في أذهان المتلقي تمر بعدة مراحل، تبدأ بحدوث اتصال مع الجمهور، ليصدر الجمهور ردة فعل عاكسة لمدى فهمه واهتمامه بالرسالة المرسلة من قبل القائم بالاتصال، وعليه قد يعدل المرسل رسالته بما يضمن كفاءة الاتصال الإنساني مع الجمهور وسط تعقيدات كثيرة ترتبط بمدى أهمية الرسالة للجمهور، ومدى اقتناعه بمضمونها، والسياق السائد في المجتمع، وكفاءة الوسائل المستخدمة في نقلها، ليتم إثارة اهتمام المتلقي بها، ويتفاعل معها، فيصل المعنى المراد إلى الجمهور