كيف يحرك “الترند” غرف الأخبار؟

بين الحين والأخر ينشغل الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي بظاهرة أو موضوع ما يتفاعل معها، فتصبح مادة رائجة على نطاق واسع عبر تلك المنصات، ما يعرف بـ “الترند” الذي يأخذ أشكالاً عديدة بين تغريدة غير مألوفة في مضمونها، أو مقطع فيديو يتضمن مشهدًا ما أو تصريحًا مثيرًا للجدل، أو صورة مؤثرة، وبالتالي فإن صناعة “الترند” على منصات التواصل الاجتماعي مرهونة بأربع قيم تبرز في الموضوع أو الظاهرة المتداولة، هي: الغرابة أي الخروج عن المألوف، إثارة الجدل إعمالاً لقاعدة “خالف تعرف”، كسب التعاطف، وجذب الانتباه
 
ويحكم انتشار “الترند” في الفضاء الافتراضي خمسة عوامل رئيسة، هي: طبيعة موضوعه، الشخصية المرتبط بها، القيم المحددة له، مستوى تفاعل المتابعين معه وأعدادهم، وطبيعة المنصة المتداول عبرها
 
 وإذا كان “الترند” صناعة جماهيرية بالأساس أي صنعها جمهور المستخدمين والمتابعين على منصات التواصل الاجتماعي بتفاعلهم وتجاوبهم مع الموضوع المتداول، فإن وسائل الإعلام- حسب الدراسات العلمية- تنساق خلف “الترند”، من منطلق إنه انعكاس لاهتمامات الجمهور، ووفقًا لذلك أصبح الصحفيون في غرف الأخبار يراقبون “الترندات” التي تبرز على مدار الساعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتشكل نواة لأفكار قصصهم الصحفية، من منطلق أن ارتباط القصة الصحفية بموضوع الترند سيحقق رواجًا أوسع لها، ويضمن تفاعل المتابعين معها، ومن ثم تحقيق ربح نتاج أرقام ومعدلات التفاعل
 
هذا الأمر، أصبح سلوكًا مألوفًا داخل أغلب الصحف والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام، حاكمًا لثقافة غرف الأخبار أي المعايير والقيم السائدة المنظمة لطبيعة العمل الإخباري وفلسفته، ما يعني أن “الترند” بات محددًا لأولويات أجندة الأخبار داخل الوسائل الإعلامية والمؤسسات الصحفية، على عكس ما كان شائعًا بأن وسائل الإعلام هي التي تحدد أجندة اهتمامات الجمهور وترتب أولوياته نحو القضايا المختلفة وفقا لمستويات تركيزها على هذه القضايا، ما يثير تساؤلاً رئيسًا: هل الجمهور هو الذي يحدد أجندة العمل الإخباري؟  أم وسائل الإعلام والصحف هي التي تحدد أجندة اهتمامات الجمهور؟
 
انسياق غرف الأخبار خلف “الترند” سلاح ذو حدين مرتبط بطبيعة الترند ذاته، فقد يكون أمرًا محمودًا إذا كان الترند مرتبطا بقضية جوهرية تتصدر اهتمامات المجتمع في الواقع، هنا يشتبك الإعلام مع الترند ويبادر بتقديم تحليلات وتفسيرات تساهم في توعية الجمهور بشأنها. أما إذا كان الترند “مصنوعًا” أي مفتعلاً من قبل حسابات موجهة أو شخص يتعمد إطلاق تصريح غير مألوف يناقض قيم المجتمع، أو تصدير سلوك مثير للجدل بهدف الشهرة، فهنا لا يصح أن ينساق الإعلام خلف مثل هذه الترندات حتى وإن حققت انتشارًا واسعًا، لأنها تؤثر سلبًا على صورة الوسيلة الإعلامية لدى جمهورها، وثقته في محتواها
 
إن تعامل وسائل الإعلام مع “الترند” يحتاج إلى صياغة “مدونة سلوك مهني” تكون بمثابة دليل إرشادي يوجه الصحفيين والإعلاميين لكيفية التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي بشكل عام، ويحدد بشكل خاص الأسس والمبادئ الحاكمة لاعتماد الصحفيين والإعلاميين على “الترند” كمحرك رئيس لأجندة أفكارهم، وأخلاقيات التعامل معه