الفاعلون الجدد في الفضاء الافتراضي
هل ينافس مؤثرو شبكات التواصل الاجتماعي وسائل الإعلام؟
لم يعد مفهوم القائم بالاتصال في عصر منصات التواصل الاجتماعي مقصورًا على الصحفي أو الإعلامي الذي يوجه رسالة إلى جمهوره، بل بات يشمل أيضًا فئة “المؤثرين” أو “الإنفلونسرز “، وهم عبارة عن مجموعة أشخاص اتخذوا من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر “محتواهم”، ولديهم أعداد كبيرة من المتابعين، مدفوعين بالرغبة في الشهرة والتأثير، وتحقيق مكاسب مادية من معدلات التفاعل مع محتواهم
هؤلاء المؤثرون الذين يعرفون أيضًا بـ”الفاعلين الجدد” نسبة لحداثة ظهورهم، وإشارة لما يتمتعون به من شعبية وشهرة في الفضاء الافتراضي، بدأوا كمستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي، ثم سرعان ما تحولوا إلى صناع محتوى لديهم جمهورهم، ثم الاستعانة بهم من قبل المعلنين في الترويج عن المنتجات والسلع، ثم الاعتماد عليهم من قبل بعض فئات الجمهور كمصدر للحصول على المعلومات المختلفة.
إن تصاعد أدوار المؤثرين عبر منصات التواصل الاجتماعي أفرز تحديين أمام وسائل الإعلام، هما
التحدي الاقتصادي: أي أن ظاهرة المؤثرين قد أثرت على عائدات وسائل الإعلام من الإعلان، بعد اتجاه شريحة من المعلنين- حسب الدراسات العلمية- إلى هؤلاء لاستخدامهم في الترويج للسلع والمنتجات، لاعتبارات التكلفة، وسرعة الانتشار، وزيادة الوصول لأكبر عدد من الجمهور المستهدف، خاصة أن بعضهم يملكون أعدادا كبيرة من المتابعين قد تفوق أعداد المتابعين للحسابات الإخبارية للمنصات الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولما لهم من تأثير في توجيه السلوك الشرائي لمتابعيهم باقتناء سلع ومنتجات بعينها. وهذا يعنى ثمة تحول في تفكير المعلنين، فبعدما كان المعلن يستهدف الوسيلة الإعلامية وفق عوامل عدة مثل اسم الوسيلة، وعراقتها، ومصداقيتها، وصورتها الذهنية الإيجابية لدى الجمهور، ونسب انتشارها، أصبح المعلن يتجه إلى المؤثرين معتمدًا فقط على مؤشر “أعداد المتابعين” بغض النظر عن جودة المحتوى الذي يقدمه
التحدي الإخباري: ويقصد به التحولات التي طرأت على العادات الاتصالية للجمهور في استهلاك الأخبار، وتفاعله معها. ولعل أبرزها ما يشير إلى أن قطاعًا من جمهور الشباب والمراهقين يعتمد على حسابات هؤلاء المؤثرين في استقاء المعلومات والأخبار عن الأحداث المختلفة، إضافة لاختلاف أجندة تفضيلات بعض فئات الجمهور الرقمي ليتصدرها المحتوى الترفيهي أكثر من المحتوى الإخباري، وكذلك تراجع الاعتماد على مواقع الناشرين في استهلاك الأخبار نظير منصات الإنترنت
ولعل القراءة الموضوعية لظاهرة المؤثرين تقتضي الإشارة إلى ثلاثة اعتبارات مهمة: الأول، أن تنامي دور المؤثرين في المجتمع الافتراضي يُعد أحد أهم العوامل المؤثرة في عائدات الإعلان لوسائل الإعلام. الثاني، ضرورة اهتمام وسائل الإعلام بالدراسة الجيدة لاهتمامات الجمهور الرقمي بشرائحه المختلفة وفهم تفضيلاته ودوافع تفاعله مع المحتوى. الثالث، أن تبحث وسائل الإعلام عن صيغة مناسبة للاستفادة من هؤلاء المؤثرين عبر منصاتهم في تجربة أشبه ما تكون بـ”صحافة المواطن” التي انتهجتها مواقع إلكترونية في فترات سابقة بتخصيص مساحات لتقارير ينتجها مواطنون من أجل أن تعزز الوسيلة الإعلامية ارتباطها بجمهورها


