عندما يصبح الفرد صانعًا
لمحتوى جماهيري

مع ظهور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد الصحفيون والإعلاميون وحدهم هم صناع المحتوى كما كان الحال في عصر وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والقنوات التليفزيونية والإذاعات، بل أصبح الأفراد العاديون يمارسون دور الصحفيين في نقل الأخبار من قلب الأحداث باستخدام هواتفهم الذكية، معتمدين على شبكة الإنترنت التي أتاحت لهم نشر تلك الأخبار ومشاركتها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي

التقارير التي يصنعها الأفراد العاديون قد تتحول في بعض الأحيان إلى محتوى جماهيري ينتشر على نطاق واسع، ويتفاعل معه الملايين، لأسباب قد تعود إلى “قوة اللقطة“- إن جاز التعبير- التي وثقها الشخص بهاتفه الذكي، أو ارتباطها في أحيان أخرى بـ “الترند” أي الموضوعات الرائجة التي تشغل اهتمامات المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، أو لكونها توثق حدثًا يمس اهتمامات الناس وحياتهم اليومية

وإذا كان هذا النمط من التقارير يثار حوله إشكاليات عدة محورها أن هؤلاء الأفراد في النهاية “هواة” ليسوا دارسين لعلوم الصحافة والإعلام، كما إنهم ليسوا على وعي كاف بالمعايير المهنية والأخلاقية التي يتوجب الالتزام بها في صناعة المحتوى مثل: التحقق من صدق المعلومة، الدقة، الموضوعية، وعدم انتهاك خصوصية الآخرين.. وغيرها. إلا أن وسائل الإعلام باتت تعتمد على مثل هذه التقارير كمصدر للمعلومات، بل وخصصت أغلب المواقع الإلكترونية بابًا مستقلاً لنشرها بعد تدقيقها والتأكد من صحتها، لعدة أسباب

السرعة في نقل الأحداث المفاجئة

مثل وقوع الكوارث الطبيعية والانفجارات فتكون الصور ومقاطع الفيديو التي يلتقطها الأفراد هي الوسيلة الأولى والأسرع لنقل المعلومات من قلب الحدث

صعوبة وصول الصحفيين والإعلاميين إلى بعض المناطق

، مثل أماكن النزاعات والحروب بسبب القيود الأمنية واعتبارات السلامة المهنية، فتكون التقارير الحية التي توثقها عدسات الأفراد سواء بالكاميرات الرقمية أو الهواتف الذكية مادة خصبة لوسائل الإعلام

حصرية الأحداث

فقد يكون الفيديو أو الصور التي أرسلها الفرد إلى الموقع الإلكتروني “حصرية” انطلاقًا من كونه الوحيد الذي كان موجودًا في قلب الأحداث، واختص بها موقع معين دون المواقع الأخرى

التسويق للعلامة الإخبارية بشكل غير مباشر

ويتجسد ذلك في سلوك الأفراد عقب نشر تقاريرهم بالمواقع الإلكترونية، حيث يتسابقون- حسب الدراسات العلمية- في مشاركة المحتوى من داخل الموقع الإلكتروني على صفحاتهم الشخصية، مع عمل “هاشتاج” لاسم الموقع الإلكتروني، ما يزيد من معدلات الوصول والزيارات للموقع الإلكتروني، ويعزز من تفاعله مع الجمهور

التكلفة المنخفضة

حيث يمكن لوسائل الإعلام استخدام المحتوى الذي ينتجه الأفراد مجانًا أو نظير تكلفة قليلة، بعكس المحتوى الإعلامي المتعارف عليه يتطلب مراسلين، مصورين، معدات.. وغيرها. وأمام هذا التحول في خارطة صناعة المحتوى في العصر الرقمي، استحدثت أغلب المواقع الإلكترونية وظيفة جديدة مسماها “محرر تقارير القراء أو الأفراد” يكون مسؤولاً عن استلام التقارير من الأفراد التي يرسلونها عبر بريد إلكتروني مخصص لذلك، أو عبر رسائل الحسابات الرسمية لها على منصات التواصل الاجتماعي، ليبدأ في التحقق من صحتها، واستيفائها للمعايير المهنية والأخلاقية، ثم ينتقي منها للنشر وفق اعتبارات عدة أهمها: طبيعة الحدث ذاته، السياسة التحريرية للموقع الإلكتروني، مدى اتساقها مع عادات وتقاليد المجتمع، ودقة معلوماتها وأهميتها بالنسبة للمتابعين