شفرة الكلام  
كيف نقرأ المسكوت عنه في الخطاب الإعلامي؟

لكل خطاب إعلامي “مغزى” أو معنى مسكوت عنه، الكشف عنه له قواعده ومنهجه العلمي الذي يستخدمه المتخصصون والباحثون في الدراسات الإعلامية. فإذا كان الخطاب هو رسالة اتصالية نصية أو مسموعة أو مرئية، فإن لهذه الرسالة مُنتج، ومعاني تشكلها عوامل عديدة في مقدمتها: الأفكار المتضمنة بداخلها، أهداف منتج الخطاب، سياسة الوسيلة الإعلامية التي تُبث من خلالها، السياق المجتمعي “طبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية” السائدة في مجتمع ما، والتوقيت الزمني الذي تُبث فيه الرسالة، إلى جانب عادات وتقاليد المجتمع التي تؤدي دورًا أيضًا في تشكيل معنى الرسالة

وهناك سبع آليات تساعد في فهم المسكوت عنه في الخطاب الإعلامي

القراءة الدقيقة للخطاب أكثر من مرة، ثم البدء باستخراج الأفكار الرئيسة التي يدور حولها الخطاب، وكل فكرة رئيسة تتشكل من عدة أفكار فرعية. وهنا لابد من التنبه جيدًا لعنوان الخطاب لأنه مؤشر كاشف عن المعاني المتضمنة في الخطاب ككل

استخلاص “مسار البرهنة” أو بمعنى أبسط، الأدلة والشواهد التي اعتمد عليها كاتب/قائل الخطاب للتأكيد على صحة الأفكار التي يتضمنها الخطاب

الخطاب مادة “متحيزة” بالأساس، تتأثر بمرجعية منتجه، وأفكاره، وأيدولوجيته. لذا، من أجل الوصول لـ “شفرة الكلام” لابد من استخلاص المرجعية التي تظهر في استعانة الكاتب بكلمات معينة كاشفة عن مرجعيته، واستشهادات يدعم بها وجهة نظره، وأفكاره، مثلما يستعين مُنتج الخطاب بآية قرآنية فتكون مرجعيته دينية، أو مادة من قانون معين فتكون مرجعيته قانونية، أو واقعة تاريخية فتكون المرجعية تاريخية

لكل خطاب قوى فاعلة، بمعنى أبسط، شخصيات محورية يتم ذكرها في متن الخطاب، ويتم وصفها بسمات معينة، وينسب إليها أدوار معينة قد تكون إيجابية أو سلبية، وهنا يتوجب على محلل الخطاب أن يحدد الشخصية أولا، ثم يستكشف سماتها وأدوارها

“الكلمات المحورية”، وهي المفتاح الرئيس في الوصول إلى شفرة الكلام. ويقصد بها عدة مفردات يتعمد مُنتج/قائل الخطاب استخدامها ليؤكد على المعنى الذي يريد إيصاله إلى الجمهور. فمثلا، إذا كان مضمون الخطاب يستهدف تعزيز الولاء والانتماء الوطني، فنجد كلمات تظهر وتتكرر عدة مرات في نص الخطاب مثل الوطنية، الولاء، الانتماء، التضحية.. وغيرها

نغمة الخطاب، وربما يثير المصطلح دهشتك، لكن لكل خطاب “نغمة” تلعب دورًا في إيصال المعنى والشعور الذي يريد قائل الخطاب توصيله إلى الجمهور. ويمكن الاستدلال عليها من نبرة صوت قائل الخطاب، التي تظهر تحديدًا في ترديده لمصطلحات بعينها داخل الخطاب عندما يقول مفردات مثل “أحذر/ أشدد/ أرفض”

“الاستمالة”، وهي تشير للأسلوب والطريقة التي يستخدمها مُنتج أو قائل الخطاب للتأثير في المتلقي، فحينما يركز على وتر العاطفة ومخاطبة الوجدان فتكون الاستمالة هنا “عاطفية”، وحينما يستخدم لغة الأرقام والإحصائيات والبيانات فتكون الاستمالة “عقلانية”

وأخيرًا.. كي يكتمل وصول محلل الخطاب إلى المعنى المسكوت عنه في الخطاب، عليه أن يحلل ويفسر كل ما توصل إليه في الخطوات السابقة في ضوء الظروف السائدة في المجتمع، والتوقيت الزمني، كي يفهم المعاني الضمنية بالخطاب، ودلالاتها، والهدف العام من الخطاب، وسر بثه في ذاك التوقيت